أكشاك الصحافة في صنعاء.. كل شيء عدا الصحف!!

قناة بلقيس - عبدالله الدبعي: "لم يتركوا لنا صحفا لنقرأها أو نبيعها"، هكذا فسّر توفيق الوصابي تحوّل مهنته إلى بائع فاكهة متجوّل بعد سنوات من عمله في توزيع الصحف في شوارع صنعاء، قبل أن يسيطر عليها الحوثيون، ويبدأون حربهم على الصحافة والإعلام، بتحريض لا يزال قائدهم يكرره بين الفينة والأخرى.

الوصابي ليس الوحيد، الذي اختار طريقا آخر عن المِهنة التي كان يحبُّها، فقد تحوَّلت عشرات الأكشاك في صنعاء إلى تقديم خدمات وبضائع مختلفة، كما أغلق بعضها أبوابه بشكل نهائي.

 

تحوُّل إجباري

منذ الأيام الأولى لسيطرتها على صنعاء، ركَّزت مليشيات الحوثي جهودها في قمع الكلمة والرأي المختلف، من خلال التضييق على العمل الصحفي عموما، وتنوَّعت انتهاكاتها بين القتل والخطف والاعتقال والتعذيب، إضافة إلى الاعتداء على المؤسسات الصحفية ونهب ممتلكاتها، الأمر الذي دفع غالبية الصحفيين -غير المؤيدين للجماعة- إلى مُدن أو بلدان أخرى، مفضُّلين السلامة وتاركين صنعاء تحت تأثير الصوت الواحد والرأي الوحيد الذي تفرضه الجماعة على سكان المدينة الأسيرة وأخواتها الواقعات تحت سيطرتها.

وفيما تمسَّك الصحفيون، ومن تمكَّن من صُناع الصحافة -من تقنِيّين وفنِيّين- بفرصهم في النجاة ومواصلة حياتهم وأعمالهم بعيداً عن بطش الميليشيا، كان باعة الصحف ومالكو الأكشاك الصحفية هم الفِئة المنسية الباقية من أثر الصحافة المتعددة الآراء في صنعاء، ومع توقّف عشرات الصحف وقلّة الإقبال على صحف الحوثيين، التي لا يتجاوز عددها العشر صحف، لم يجد الباعة سبيلاً لمقاومة تدهور الأوضاع الاقتصادية سوى استغلال أكشاكهم في بيع منتجات أخرى، وتنويع البضائع والخدمات التي يقدّمونها بعد أن فقدوا مصدر دخلهم الأساس، بينما اُضطر آخرون لإغلاقها والبحث عن مِهن بديلة مختلفة كلياً.

 

بدائل للعيش

قضى أبو إبراهيم (54 عاما) عقدين من عُمره في بيع الصحف في كشكه وسط صنعاء، يُمارس المِهنة التي أحبّها، قبل أن يبهت بريقها ويفقد بدوره شغفه، محولاً كشكه إلى تقديم خدمات مختلفة وبضائع منها: "الأحزمة والحقائب، وأكياس الدعاية، والمسابح، والشحن الفوري، وبعض من كُتب التنمية البشرية، والكلمات المتقاطعة، وأعداد متراكمة لثماني صحف تابعة للمليشيات"، يعدد أبو إبراهيم بضائعه البديلة ويتابع: "بعد إغلاق الكثير من المؤسسات الصحفية، وانقطاع صدور غالبية الصحف التي كنا نعتمد على بيعها بشكل أساسي، لم يعد بإمكاننا الاستمرار في الاعتماد على بيع 8 - 10 صحف هي كل ما يصدر في صنعاء مقابل أكثر من 100 صحيفة ومجلة كانت تُصدر قبل الحرب، إضافة إلى عدد يتراوح بين 10 - 20 صحيفة عربية كانت تصلنا يومياً".

 

صوت واحد لجمهور وحيد

من جانبه، وجد محمد زيد (35 عاماً) في بيع السجائر والمعسلات وأوراق التّبغ طوق النجاة له ولعائلته مع شحة الإصدار الصحفي، وانحصار الصحف بعدد قليل من الصحف الرسمية، التابعة لمليشيا الحوثي، يقول لـ'بلقيس': "إلى جانب انخفاض العدد المتاح للبيع من الصحف بقرابة عشرة أسماء طوال الأسبوع، تعد المشكلة الأكبر أنها موجَّهة لجمهور واحد، هُم شريحة المؤيدين للجماعة".

وتابع بتهكُّم: "وهؤلاء -في الأغلب- لا يقرؤون، فينتهي الأسبوع ونصف الصحف تقريبا لدينا".

يؤكد الصحفي حافظ عبدالكريم (اسم مستعار) أن احتكار الصحافة من قِبل الحوثيين، وعدم سماحهم بإصدار صحف مختلفة، وخنقهم المجال الإعلامي أدى إلى اندثار المِهنة، يقول: "تعامَل الحوثيون مع الصحف والمؤسسات الإعلامية الخاصة كما تعامَلوا مع منابر المساجد، ينبغي أن يكون جميعها منبرهم، وناقل صوتهم وخطابهم التحشيدي والطائفي، متناسين أو متجاهلين غالبية اليمنيين الذين لا يؤيدونهم ولا يتفقون معهم مطلقاً".

ويضيف: "لدينا الآن بضعة أسماء صحفية لمضمون بروباجندي واحد".

 

انحسار العمل الصحفي

"في صنعاء يوجد كل شيء إلا الصحف والصحفيين"، يقول عبدالكريم واصفاً الجو العام للعمل الصحفي، ومشيراً إلى انقراض الصحافة المستقلة وغياب الصحفيين المستقلين لاسيما المناوِئين للحوثيين.

الأمر ذاته يعكسه أبو إبراهيم في كشكه الذي طالما امتلأ بالصحف المختلفة، والمجلات المحلية والعربية والدولية، لكنه خصص للكمية القليلة المتوفِّرة منها طاولة صغيرة في ركن الكشك، مفسحاً المجال لبضائع أخرى بات بيعها أجدى، ويحقق له العيش الكريم.

سبع عجاف هي عُمر الحرب، لكنها بمقياس المعاناة التي يعيشها اليمنييون دهوراً، أجهزت على حيواتهم، ولم تبقِ لهم الحرب والمتحاربون خلالها شيئاً، حتى الحق في المعلومة والحق في الكلمة.

اليوم وبعد سبعة أعوام خلت فيها أكشاك صنعاء من صحفها، بينما امتلأت بسواها، لا تزال هذه الأكشاك محتفظة بأسمائها التي تدل على أطلال مِهنة اندثرت، وتوارت أصواتها بعيداً، وأملا في عودة البلد إلى سابق عهده، ومعاودتهم العمل في المِهنة التي أحبُّوها وأخلصوا لها ما أخلصت لهم، يقول بعضهم.

اشترك في قائمتنا البريدية

أحدث المواد