إرشادات من اليمن وسوريا للتغطية الصحفية بمناطق النزاعات والحروب

أعدّ هذا المقال الصحفي السوريّ علي الإبراهيم والصحفي اليمني أشرف الريفيّ من أجل تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الصحفيون في مناطق الحروب والنزاعات. تزامنًا

مع انتشار الفوضى وتقويض سلطة القانون وعدم وجود قوانين تؤمّن السلامة للصحفيين والصحفيّات في الكثير من الدول بالشرق الأوسط،

أصبح العمل الصحفيّ والتغطيات في مناطق النزاعات والحروب من المهام الصعبة جدًا، والتي تتطلّب حساب المخاطر واتباع خطوات ضروريّة كي يحمي الصحفيّون أنفسهم وينتجون تقارير تعكس الوقائع وتسلّط الضوء على معاناة المواطنين. وتعتبر سوريا واليمن من البيئات التي يواجه فيها الصحفيّون تحديات كبيرة خلال التغطية الصحفيّة.

"لا يزال الصحفيون معرضين للخطر بشكل مهول، وهم الذين يجازفون بحياتهم من أجل التموقع في الصفوف الأمامية من أجل التغطية، في سوريا التي تحلّ في المركز 173 بنسخة 2021 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة"، بحسب منظمة "مراسلون بلا حدود"، بينما يحلّ اليمن في المرتبة 169 (من أصل 180 بلداً) على جدول التصنيف العالمي نفسه.

وعلى الرغم من التقدّم الملحوظ في اتباع سُبل الحماية للصحفيين والصحفيات في مناطق النزاعات والحروب إلا أنّ هناك مجموعة تحديات ما زالت تواجه الفرق الصحفية. ففي سوريا، يواصل مئات الصحفيين عملهم وإرسال تقاريرهم إلى العالم رغم الانتهاكات التي تُرتكب بحقهم. ووسط حقل من الألغام يعمل الصحفيون اليمنيون في تغطية الحرب الدائرة، مخلفة 44 قتيلًا من الصحفيين والمصورين والعاملين في الإعلام، وعشرات المصابين بحسب احصائيات نقابة الصحفيين اليمنيين.
من جهته يقول المسؤول الإعلامي في منظمة صحفيات بلا قيود زكريا الحسامي "إنّ الصحفيين اليمنيين تعرّضوا لسلسلة من الإعتداءات الجسدية، القتل، والتهديدات، عمليات الخطف، حجب المواقع الإلكترونية، ملاحقة الصحفيين، والتحريض على وسائل الإعلام من قبل الأطراف".

ويرى الحسامي في حديثه لشبكة الصحفيين الدوليين أنّ بيئة العمل الصحفي غير آمنة، ويعمل فيها الصحفيون بدون تدريب كاف على إجراءات السلامة، فكانوا ضحايا رئيسيين، مضيفًا أنّه يجدر بأطراف الصراع احترام حرية الرأي والتعبير، وإطلاق سراح المختطفين، وإسقاط أحكام الإعدام الصادرة بحق أربعة صحفيين، والسماح لوسائل الإعلام بالعمل بدون قيود، وتسليم رواتب الصحفيين في الإعلام الحكومي الموقف منذ خمس سنوات.

تجربة خطرة في اليمن

كاد المصوّر اليمني طه صالح أن يفقد حياته أثناء تغطية الحرب في مدينة تعز وسط اليمن في منتصف العام 2015، بسبب عدم خضوعه لتدريب على أُسس تغطية الصراعات، حيثُ أصيب برصاص قنّاصة خلال إخراج رأسه من نافذة المنزل الذي كان يتموضع فيه لإتمام مهمّة صحفيّة، لأنّه "لم يسبق له أن تدرّب على إجراءات السلامة المهنية، ولم يتخذ الحيطة اللازمة على الرغم من معرفته بمكان القناص".

في حديثه لشبكة الصحفيين الدوليين، يقول المصوّر الذي عملَ في خمس وسائل إعلام خلال سنوات الحرب، بينها وسيلتين خارجيتين، وفقد خلال هذه الفترة قرابة 30 شخصًا يعرفهم بينهم ستة صحفيين، ناهيك عن المصابين.

انطلاقًا من تجربته، يشدّد طه على ضرورة أن يكون لدى الصحفي أو المصور معرفة تامة بثقافة السلامة وإجراءاتها، ويجد أنّ تأهيل المراسلين يجب أن يكون في مقدّمة اهتمامات وسائل الإعلام التي يهتمّ بعضها بـ"تصوير الصحفي للقذيفة التي تسقط جواره أكثر من اهتمامها بسلامته"، على حدّ قوله.

الآثار النفسيّة

ويعتبر طه أنّ أبرز التحديات التي واجهته تمثلت في الآثار النفسية بسبب تغطية الحالات الإنسانية والمشاهد المؤلمة والحزينة، والتي شكّلت له أرقًا كبيرًا لم يفارقه حتى أثناء النوم، على هيئة كوابيس مزعجة.

ضغط الحرب وأحداثها لم تتح لطه مساحة كافية لأخذ قسط من الراحة، فكان يعمل حتى خلال أيام العطل الأسبوعية والأعياد، ما زاد من حدة الضغط النفسي "الذي لم تراعِه وسائل الإعلام الباحثة عن الخبر"، يقول طه، موضحًا أنّه بالإضافة إلى التهديدات التي تطال الصحفي وأسرته أيضًا، يواجه الصحفي تحديات في الشارع بسبب تغطياته أو نشاطه في وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن صعوبة التنقل بين المحافظات بسبب تصنيفات أطراف الحرب للصحفيين أو وسائل الإعلام التي يعملون فيها.

في سوريا.. قصص ثمّة من لا يريد لها أن تُروى

يتفق الكثير من الصحفيين الذين قابلتهم شبكة الصحفيين الدوليين على أنّ السلامة المهنية والجسدية تمثّل الهاجس الأكبر للصحفيين في سوريا، حيث يواجه الصحفيون صعوبات في ظلّ انعدام الحماية اللازمة للصحفيين وغياب سيادة القانون.

في هذا السياق، يعتبر الصحفي الإستقصائي أحمد حاج حمدو في مقابلة مع شبكة الصحفيين الدوليين أنّ "العمل في الصحافة الاستقصائية في سوريا له خصوصية عن بقية الأعمال الصحفية، فهو يقوم على أن تروي قصّة ثمّة من لا يريد لها أن تُروى"، مضيفًا: "نحن دائمًا ننشر قصّة فيها متسبّب، وهذا المتسبّب قد يكون مرتشيًا أو منتهكًا لحقوق الإنسان أو مرتكبًا لجريمة وبالتأكيد لن يصفّق للصحفي الذي ينشر القصّة عنه لأنّها ستمسّ بكيانه ونفوذه، وهنا مكمن الخطر".

ويؤكد أنّ الحالة العامة للعمل الصحفي في سوريا هي عدم وجود قانون أصلًا لتحصيل حق الصحفي أو حمايته، بالتالي فإن التمسّك بالمهنية والحصول على دليل لكل معلومة ترد في القصّة يحمي الصحفي إلى حدٍ كبير، لأن نشر قصّة غير متينة يعطي دافعًا للانتقام من الصحفي.

كيف يتعامل الصحفيون اليمنيون مع مخاطر تغطية الحرب؟

ينصح طه الصحفيين اليمنيين بعدم مرافقة المقاتلين في كل تحركاتهم، وأن يرتدوا ملابس واقية وأن يدركوا أنّ "حياتهم أهم من تغطية أي خبر".

وتوافقه الصحفية ميادة سلام، وهي مدرّبة السلامة المهنية في نقابة الصحفيين اليمنيين، بأنّ "البيئة الإعلامية الخطرة تشكّل تهديدًا للصحفيين وتعيق حصولهم على المعلومات". وتضيف سلام في حديثها لشبكة الصحفيين الدوليين أنّ "الصحفي يعاني من رد فعل عدائي من قبل الأطراف المتصارعة التي تصنفه بمناصرة طرف معين".

ومن التحديات التي تواجه الصحفيين اليمنيين في بيئات الحرب تعرضهم للابتزاز والاعتداء، والاختطاف، الاخفاء القسري، والقتل في ظل غياب سيادة القانون والانفلات الأمني.

وتطلب سلام من الصحفيين عدم الزج بأنفسهم في الأماكن الخطرة، واتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية التي تحول دون وقوعهم في مأزق، مشدّدة على أهمية أن يحمل الصحفي بطاقه تعريفية، ويرتدي الدرع الواقي والخوذة وشارة الصحفي، بالإضافة إلى حقيبة الإسعافات الأولية.

وبحسب سلام، عليه الابتعاد عن العناصر المسلحة والقياديين حتى لا يكون هدفًا سهلًا وأن يعدّ خطة متكاملة تشمل تحركاته منذ خروجه من المنزل أو المؤسسة الإعلامية حتى عودته، وأن يضع خططًا بديلة تمكنه من حماية نفسه وعدم الإخفاق في المهمة الموكلة له.

نصائح للتغطية الصحفية في مناطق النزاعات والحروب

استنادًا إلى ما تقدّم، يمكن للصحفيين الاستفادة من تجربة "دليل السلامة للعمل الإعلامي" الذي أنتجته المنظمة الدولية لدعم الإعلام IMS استادًا لتجربة التغطية في سوريا، كما يمكن للصحفيين الاطلاع على دليل "الصحافة الحساسة" المعنية بتغطية النزاعات بالإستناد إلى التجربة اليمنية.

وتقدّم شبكة الصحفيين الدوليين مجموعة من الإرشادات والمهارات التي يتوجب توافرها لدى الصحفيات والصحفيين الذين يعملون في مناطق النزاعات والحروب، أو الذين يرغبون بإعداد تحقيقات استقصائية في سوريا واليمن، وأبرزها:

يتوجب على الصحفي أن يسأل ما هي المخاطر المتوقعة، وكذلك تقييم إمكانية تعرضه للمخاطر بسبب هويته أو النوع الاجتماعي ووضع سيناريو للتغلّب على كل من هذه المخاطر.
قبل النزول إلى أي منطقة جديدة للتغطية، تعرف إليها عبر الخرائط واقرأ عنها، اعرف بدقة جغرافية البلد. يجب ارتداء ملابس تساعدك على الحركة، وتتناسب مع طبيعة المكان.
الالتزام بمعايير أخلاقيات العمل الصحفي، كما يتوجب على الصحفي اختيار مرشد محلي (فيکسر) يساعده في إنتاج القصة اللازمة.
ابتعد عن الصفوف الأمامية، ولا تقف بجوار منصات صواريخ، أو العربات العسكرية. حفاظًا على حياتك، وابتعد قدر الإمكان عن أماكن إطلاق النار.
حضور دورات السلامة المهنية، والسلامة الرقمية والجسدية والاطلاع الدائم على أحدث الإرشادات المتعلقة بهذا الشأن.
بعدما أصبح لديك المعرفة بالمخاطر التي يمكن أن تواجهك أثناء عملك، قم بتجهيز المعدات اللازمة "ارتدِ الدرع الواقي- أغراضك الشخصية - الملابس- المعدات التقنية والأمنية - حقيبة الاسعافات".
من الضروري ألّا يكون الصحفي طرفًا في بلدان النزاع مثل سوريا أو اليمن أو غيرها، لأنّ هذا الأمر سوف يصنّف الصحفي سياسيًا وعسكريًا ويخلق حجّة للانتقام منه.
الأولوية في التغطية وتنفيذ التحقيقات الميدانية هي حفظ السلامة الشخصية للصحفي، بالتالي ينصح بإلغاء أي مهمة قد تهدد سلامته وتعرض حياته للخطر المباشر.
إعداد خطة اتصال بحيث يُعلِم الصحفي شخصاً محدداً من الفريق بخط سيره وتفاصيل مهمته، مع وجود رقم اتصال للطوارئ للتواصل السريع في حال حصول أي طارئ، وعدم البقاء في مكان واحد لفترة طويلة.
إن استخدام الصحفيين للشبكات الاجتماعية وتقنيات الاتصال يمكن أن يعرّضهم ومصادرهم للخطر، بالتالي يتوجب أخذ الاحتياط لهذه المخاطر حتى لا يتم تحديد مكانك أو أن يجري تصنيفك مع جهة بعينها.
الإنتباه إلى الأمور اللوجستية من انقطاع للكهرباء وضعف الإنترنت ونقص المعدات، وهي من الأمور التي تقف عائقًا أمام الصحفيين في بلدان النزاع مثل سوريا أو اليمن بالتالي يجب إيجاد لها قبل بدء التغطية.
حماية الحاسوب من البرمجيات الخبيثة ومن المخترقين، عن طريق استخدام مضادات البرمجيات الخبيثة. إضافة لوضع كلمات سر قوية وحفظها واستخدام التحقق بخطوتين عند توافرها.
ويمكن للصحفيين الاستفادة من نصائح دليل الصحافة الحساسة للنزاعات المنتج بواسطة معهد صحافة الحرب والسلام. كما ينصح بقراءة دليل صحفيون من أجل حقوق الإنسان. وأخيرًا يمكن الإطلاع على دليل السلامة المهنيَّة للصحفيّين الميدانيّين في العالم العربيِّ والشرق الأوسط، الذي أطلقه الاتحاد الدوليُّ للصحفيّين.
الصورة الرئيسية حاصلة على إذن بالنشر من المصور طه صالح
نقلا عن شبكة الصحفيين الدوليين : بواسطةعلي الإبراهيم وأشرف الريفي في السلامة الرقمية والجسدية

اشترك في قائمتنا البريدية

أحدث المواد