الشهاب.. معتقل قاوم سطوة السجان وعذابات السجون الحوثية

قناة بلقيس - هشام سرحان: في الوقت الذي كان يتهيأ الصحفي هيثم الشهاب (30 عاماً) للاحتفال بعيد ميلاده في 9 يونيو من العام 2015،

لم يكن يدرك أن النشاط الصحفي تهمة ستعرّضه للملاحقة والاعتقال من قِبل مليشيا الحوثيين، التي لم تمنحه فرصة ليحتفل بذكرى مولده في التاسع من يونيو العام 1991، ويطفئ شمعته الرابعة والعشرين، بل أودعته السجن، وسلبته حريته، وجردته قلمه وحلمه، كما أخمدت بريق الأمل الذي كان يلوح في أفقه، وجعلته يقضي -خلال خمس سنوات ونصف من عمره- تجربة مريرة في زنازن انفرادية وضيّقة، مفتقرة للتهوية والنظافة والفرش والبطانيات، وتعرّض للتعذيب والانتهاكات وسُوء المعاملة.
لم يستسلم الشهاب بل أبدى صبراً وتجلداً، وتحمّل سلسلة لا متناهية من المعاناة والعذابات، وقاوم الملل والضجر والكآبة وأجواء السجن وقبح السجان وبشاعة المحققين وأساليبهم وأدواتهم وتهديداتهم ووعيدهم وتعسفاتهم وممارساتهم المهينة، التي طالته منذ اللحظات الأولى لاعتقاله مع تسعة صحفيين.
اعتقلته مليشيا الحوثيين مع زملائه أثناء تواجدهم في فندق "بحر الأحلام" بشارع "الستين" وسط صنعاء، وقيامهم بجمع وتوثيق الإنتهاكات التي ارتكبتها المليشيا منذ اقتحامها صنعاء في21 سبتمبر العام 2014 وحتى لحظة اعتقالهم، بعد منتصف الليل، من قِبل عدد من المسلحين، بعضهم بزي قوات الحرس الجمهوري، وآخرون بلباس مدني.

يتذكّر لحظات اقتحام مقر إقامتهم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، والرعب الذي تملّكهم وهم يتطلعون في ملامح المسلحين، الذين باغتوهم، وأخذوا كل ما بحوزتهم من وثائق وأموال وحواسيب وهواتف محمولة، ثم اقتادوهم على متن ثلاثة أطقم إلى سجن "الحصبة"، وأودعوهم بجانب أربعة سجناء بتُهم جنائية.

تجربة
نقل، مساء اليوم التالي، إلى سجن البحث الجنائي، وهناك دوّنوا معلوماته الشخصية، وكلمات المرور الخاصة بهاتفه وحاسوبه المحمولين، وبدأوا التحقيق معه، وتفتيش حقيبته، التي وجدوا فيها بطاقته الجامعية، وتوصلوا إلى أنه صحفي، ما زاد من عدوانية المحقق، الذي أقدم على ضربه بالكلابشات والعصي، وقام بتعمير أسلحته الشخصية، وصوبها نحو رأسه، مهدداً بقتله، وهو ما يذكره الشهاب حول وقائع جلسة التحقيق الأولى، التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات، غادر على إثرها غرفة التحقيق، وهو في حالة سيِّئة للغاية.
لم يذعن لرغبة السجان، ورفض الإدلاء عن معلومات حول أماكن تواجد بقية الصحفيين، ما عرّضه للمزيد من الضرب والتعذيب الوحشي، الذي لازمه أثناء تنقله بين قرابة ستة سجون، بينها سجن احتياطي الثورة، وهبرة، والأمن السياسي، ومعسكر الأمن المركزي.
يقول الشهاب لموقع "بلقيس": "ظللت في حالة إخفاء قسري لأكثر من سنة ونصف، ولم أتمكَّن من التواصل مع أهلي، وإخبارهم بأنني ما زلت على قيد الحياة".
لم يتم إحالة ملف قضيته إلى المحكمة إلا في 12 سبتمبر من العام 2018، ورغم ذلك لم يمنح حقّه القانوني في الدفاع عن نفسه خلال خمس جلسات غاب عنها المحامي عبد المجيد صبرة، الذي لم يلتقِ به، ولم يُسمح له بالترافع عن موكِّله أو السؤال عنه، لأن ذلك سيعرِّضه للاعتقال.
قضى أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر في الزنازن الانفرادية، والغرف المظلمة لسجن الأمن السياسي، الذي يعتبره الأسوأ والأكثر عنفاً ووحشية، وتعرّض فيه مع زملائه للكثير من المعاناة، والعذاب، والانتهاكات، والضرب، والتنكيل، وذلك منذ مطلع مايو العام 2016 وحتى مطلع أكتوبر العام 2020.
عاش في المعتقلات تجربة عصيبة جداً، ومحفوفة بالمخاطر والمخاوف الشديدة، وكان يضع -في معظم الأيام- يده على صدره من شِدة الخوف الناجم عن تهديدات المحقق له بالتصفية، ووضعه في مخازن السلاح، والأماكن المعرّضة لغارات طيران التحالف، أو نقله إلى سجون صعدة.

معاناة
قاسى البرد والعناء، ونام ليالي عدّة على البلاط والتراب، كما تضوّر جوعاً في معتقلات لم يكن يُسمح له فيها بالذهاب إلى دورة المياه سوى مرّة واحدة في اليوم، إلى جانب الحديث مع رفاقه المتواجدين بجانبه في الزنزانة نفسها، وهي من أصعب اللحظات التي عاشها في سجون مليشيا الحوثيين، التي تعقّدت فيها حياته.
يوماً بعد آخر، بدت أكثر سُوءا بعد إلقاء زعيم المليشيا، عبد الملك الحوثي، خطاباً في 21 سبتمبر من العام 2015، وذكر فيه أن الصحفيين أخطر من الجنود في الجبهات، وهو ما حوّل المعتقلات إلى جحيم، وزاد من وحشية السجانين، الذين لم يعودوا يستمعون لمطالب الشهاب، ويتعاطفون معه في أوقات مرضه المتفرِّقة، ومعاناته من أمراض عديدة.
أضحى في نظر سجانيه رجلاً خطيراً، وضيفاً للسيِّدهم، وهي ضيافة طويلة، ومُرة، وقاسية، ومظلمة، وأكثر عنفاً، عانى فيها من الأمراض الجلدية وغيرها، ومُنع من التعرّض لحرارة الشمس، ومن تعريض البطانيات والفرش الملوّثة والمتسخة والمليئة بالقمل والحشرات والميكروبات، جراء تداولها من قِبل عشرات السجناء لحرارة الشمس أيضا.
حُرم من الرعاية الصحية اللازمة، وكان يتلقّى دواء "البروفين" (علاج توزِّعه المليشيا بكثافة على كافة السجناء المرضى لعلاج جميع الأمراض بما فيها المستعصية وغيرها وتوزع منه أحياناً كميات منتهية الصلاحية).
لم تكن فترة اعتقاله ساعة أو شهرا، بل عُمر مضى من حياته، وهي مرحلة أكثر وحشية وأشد قسوة، وتتشابه فيها الساعات والأيام في الظلم والتعذيب والرَّتابة والملل، وممارسات السجان الذي لو رأى في السجين عرقاً نابضاً حاول إيقافه.
يذكر لموقع "بلقيس": "حياة المعتقلات هدم للروح الإنسانية، وتدمير للقوى البدنية والعقلية. وتمتهن -في سجون مليشيا الحوثيين 'وهي الأسوأ في العالم'- الكرامة الإنسانية، ويُعلق فيها السجين بين جدران الزنازن وعصا السجان، التي لا تحتكم لأي قانون، ما يردع تهورها، ويمنع توغّلها في الأجساد والذاكرة".

مقاومة الملل
أبدى هذا الشاب استبسالاً ومقاومة عجيبة لكل ما عاناه ومرّ به من تعذيب وترهيب، وحاول كسر أجواء السجن وقسوة السجان ورتابة الزنازن وعتمتها ومللها وضيقها وكآبتها، وفتح نافذة أمل بالتعاون مع رفاقه الصحفيين، الذين تشاطروا الهموم والأحزان، وتضافروا في وجه بؤس وقبح ومرارة وعذابات وآلام حياة المعتقلات، وخلقوا مساحة مضيئة وفسحة للترفيه والترويح عن أنفسهم، والتخفيف من معاناتهم.
حاولوا بشكل جماعي ترميم تلك التشوُّهات النفسية، وحافظوا على تماسكهم وروحهم المعنوية، ويوضّح الشهاب: "لولا زملائي لكانت أيام السجن مرّت بصعوبة، ولكنت انهرت نفسياً، وما استطعت تحمّل سنوات الاعتقال الطويلة، وما رافقها من تعذيب، ولولاهم ما وجدت نفسي بعد كل تلك المدة سليماً معافى إلا من بعض الأمراض البدنية، التي نخرتنا من الداخل".
وضعوا السجن خلف ظهورهم، وتحلوا بالأمل والتفاؤل، وأيقنوا أن أبوب السجن الموصدة ستُفتح حتماً، وسيجدون طريقهم إلى حُرية كاملة، وهو شعور ساعدهم على تجاوز الأوقات العصيبة، إلى جانب زيارات الأهل المتفرِّقة، التي شكّلت ميلاداً جديداً، وبلسماً شافياً لجروحهم وآثار السجن وأوجاعه ومعاملاته الخانقه.
رغم مرور قرابة عام على الإفراج عنه بصفقة تبادل للأسرى، لم تغبْ عن باله المعانات الشديدة، والحالة الصحية والإنسانية الصعبة لأربعة من زملائه الصحفيين، الذين مازالوا رهن الاعتقال والإخفاء القسري المتواصل منذ 11 شهرا، ما يضاعف ألمهم، ويمنع وصول أناتهم للرأي العام، وكشف ما يتعرضون له من انتهاكات وممارسات وحشية، تتزايد حدتها كلما أثيرت قضيتهم في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
يشعر بالألم كلما تحدّث عن التجربة السيِّئة والمأساوية التي عاشها مع زملائه في السجون على مدى أكثر من نصف عقد، وهي محطة بارزة ومهمّة في حياته، مليئة بالتحدّي والمقاومة لكل ما يمكن أن يتسرّب إلى أعماقه في السجون، التي حوّلها مع زملائه إلى خشبة مسرح، وأمضوا فيه السنوات الطويلة بأرواح ضاحكة قلبت موازين معركتهم ضد السجن، ومحاولات السجان كسر إرادتهم وتدمير معنوياتهم، وجعْلهم يستسلمون للملل والضعف والحزن والقهر.
يوضّح "وجود زملائي بجانبي حول عُزلتي إلى مساحة فرح، وأعطاني خِبرة نفسية في فن المداوات، والقفز على الجروح، ومواجهة الأزمات، وكان رفيقي المعتقل حسن عناب نقطة عسل يتجمع حولها السجانون والسجناء، لنكاته وأسلوبه الساخر، وحسّه الفكاهي، الذي شكَّل وسيلة للتنفيس عن أرواحنا، ومواجهة الظروف الصعبة والمعقّدة".

اشترك في قائمتنا البريدية

أحدث المواد