فلسطين: اعتقال الشوبكي ضمن تصاعد القمع الإسرائيلي وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية
أدانت منظمة صحفيات بلا قيود استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والكتّاب والعاملون في المجال الإعلامي الفلسطيني، وأكدت أن هناك مؤشرًا واضحًا على تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية الهادفة إلى إسكات الصوت الفلسطيني في الضفة الغربية.
وعبرت صحفيات بلا قيود، عن تضامنها مع الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني بلال الشوبكي. يوم الأحد 7 حزيران/يونيو الجاري، اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال منزل رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل الدكتور الشوبكي، بعد منتصف الليل، واقتادته من منزله في مدينة رام الله إلى جهة مجهولة.
ومنذ بداية العام الجاري 2026، وثّقت صحفيات بلا قيود عشرات الانتهاكات في الضفة الغربية، شملت الاعتقال والاحتجاز، والاستدعاء والتحقيق، ومنع التغطية الصحفية، وإطلاق قنابل الصوت والغاز تجاه الصحفيين، والاعتداء الجسدي عليهم، ومصادرة وتحطيم معداتهم، إضافة إلى قرارات الإبعاد عن القدس والمسجد الأقصى.
وأكدت المنظمة أن سياسة سلطات الاحتلال تجاه الإعلام تمثل امتدادًا لنهج توظيف القوانين لتجريم العمل الإعلامي والثقافي والوطني الفلسطيني في القدس، وتعكس توجّهًا ممنهجًا لإقصاء الرواية الفلسطينية من المجال العام.
نماذج من الانتهاكات
ومن بين الحالات التوضيحية التي رصدتها صحفيات بلا قيود خلال شهر أيار/مايو الماضي:
· في 25 مايو، اعتقلت قوات الاحتلال الصحفي أنس حواري بعد اقتحام منزله في ساعة متأخرة من الليل في بلدة سبسطية شمال غربي نابلس، وصادرت هاتفه وحاسوبه قبل اقتياده إلى جهة مجهولة. وفي 1 حزيران/يونيو الجاري، منعت الشرطة الإسرائيلية محامي الدفاع عنه من زيارته في مركز التحقيق، كما حُرمت أسرته ومحاميته من أي معلومات حول ظروف اعتقاله والتهم الموجهة إليه.
· في 23 مايو، منعت قوات الاحتلال المصور عامر الشلودي، والصحفي لؤي السعيد، ومصور وكالة الأناضول وسام الهشلمون، ومصور وكالة رويترز موسى القواسمة، ومصور وكالة الأنباء الصينية مأمون وزوز، والصحفي مصعب شاور، من تغطية مسيرة للمستوطنين في البلدة القديمة بمدينة الخليل.
· في 17 مايو، مددت محكمة إسرائيلية الاعتقال المنزلي بحق الصحفية المقدسية بيان الجعبة، فيما أوقفتها الشرطة الإسرائيلية وفرضت عليها غرامة مالية وألغت ترخيص سيارتها بسبب خروجها من المنزل لحضور جلسة محاكمتها. وتخضع بيان الجعبة للاعتقال المنزلي منذ العام الماضي، فضلًا عن منعها من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإلزامها بالمثول أمام جلسات المحكمة.
· في 6 مايو، قررت شرطة الاحتلال إبعاد الصحفي رامي الخطيب عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر، على خلفية تغطيته وتوثيقه لما يجري في المسجد الأقصى.
· في 3 مايو، اعتقلت القوات الإسرائيلية الصحفية إسلام عمارنة بعد خلع الباب الخارجي لمنزل عائلتها واقتحامه في بيت لحم خلال ساعة متأخرة من الليل، قبل نقلها إلى جهة مجهولة.
إجراءات خطيرة وعنف ممنهج
وأوضحت صحفيات بلا قيود أن حالة القمع في الضفة الغربية المحتلة تتزامن مع سلسلة إجراءات تنفذها سلطات الاحتلال تستهدف الأراضي الفلسطينية، من بينها مصادرة الأراضي الفلسطينية والموافقة على إقامة مستوطنات جديدة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي منتصف شباط/فبراير الماضي، أقدمت حكومة بنيامين نتنياهو على خطوة وصفت بأنها الأخطر منذ عام 1967، بعدما صادقت على خطة واسعة لتسوية أراضي الضفة الغربية المحتلة وتحويل مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى "أملاك دولة تابعة للاحتلال"، تمهيدًا لفرض السيادة عليها.
وتعتمد الخطة على إجراءات تتيح مصادرة أراضي الفلسطينيين في حال عجز أصحابها عن إثبات ملكيتهم وفق معايير معقدة تشمل وثائق عثمانية وبريطانية وأردنية وسلاسل إرث وخرائط رسمية. وعمليًا، يواجه الفلسطينيون صعوبات كبيرة في توفير هذه الإثباتات، في ظل تعقيدات الوصول إلى الوثائق، وكون الجهة المشرفة على العملية هي سلطات الاحتلال نفسها.
وحذرت صحفيات بلا قيود من تصاعد أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتشير تقارير حقوقية إلى أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل ما لا يقل عن 1080 فلسطينيًا، بينهم مقاتلون وعدد كبير من المدنيين، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين، فضلًا عن نهب المنازل وتحطيم المزارع والعبث بالمحاصيل وسرقة الممتلكات والمواشي.
ومنذ بداية العام الجاري، قُتل 15 مواطنًا فلسطينياً، بينهم أطفال، على يد مليشيات المستوطنين في الضفة الغربية، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. وقالت صحفيات بلا قيود إن هذه الجرائم تمثل امتدادًا لسياسة رسمية تنتهجها سلطات الاحتلال، تشمل تسليح المستوطنين والسماح لهم باستخدام القوة المسلحة ضد المدنيين الفلسطينيين، في ظل غياب المساءلة الفعلية.
استهداف الفضاء الإعلامي
وكان وزير الدفاع في حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد وقّع قرارًا بحظر عدد من المنصات الإعلامية الفلسطينية. وأدانت صحفيات بلا قيود هذا القرار بأشد العبارات، محذّرة من تداعياته الخطيرة التي تتجاوز إغلاق المنصات إلى توفير غطاء لأجهزة الاحتلال الأمنية والعسكرية لملاحقة العاملين في الإعلام.
وقالت المنظمة إن القرار يستهدف ما تبقى من فضاء إعلامي حر، بهدف إسكات الصوت الفلسطيني وحجب المعلومات عن الجمهورين المحلي والدولي.
كما أعلنت سلطات الاحتلال تمديد إغلاق مكتب قناة الجزيرة في رام الله لمدة 90 يومًا للمرة الثانية عشرة، استنادًا إلى ما يعرف بـ“قانون الجزيرة” الذي أُقر في مايو/أيار 2024 بقرار من حكومة بنيامين نتنياهو.
وأشارت المنظمة إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت في غزة ما لا يقل عن 263 صحفيًا وصحفية وعاملًا في المجال الإعلامي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم صحفيون وعائلاتهم قتلوا بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وأكدت المنظمة أن سلطات الاحتلال تواصل تنفيذ سياسة متعمدة لطمس جرائم الإبادة الجماعية والحد من التوثيق الميداني للفظائع المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين. وفي هذا السياق، منحت المحكمة العليا الإسرائيلية حكومة نتنياهو تأجيلًا إضافيًا بشأن السماح بدخول الصحفيين المستقلين إلى غزة.
وقالت صحفيات بلا قيود إن هذا القرار يكشف عن الدور المتكامل لمؤسسات الاحتلال في توفير غطاء قانوني لسياسات الحكومة، بما يخدم عزل غزة إعلاميًا عن العالم ومنع توثيق آثار جرائم الإبادة.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 نحو 978 شهيدًا، إضافة إلى توثيق 782 حالة انتشال خلال الفترة ذاتها.
ووفق الإحصائيات اليومية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 9 حزيران/يونيو الجاري، ووصلت جثامينهم إلى المستشفيات، إلى 72,988 شهيدًا، في ظل استمرار عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إلى العديد من الضحايا العالقين تحت الأنقاض أو في الطرقات، بفعل القصف المتواصل واستهداف طواقم الإغاثة.
خرق العهد الدولي
وأكدت صحفيات بلا قيود أن الاعتقالات التعسفية التي تستهدف الصحفيين والكتّاب والأكاديميين الفلسطينيين، واقتحام المنازل ليلًا، واحتجاز الإعلاميين ومنعهم من التواصل مع محاميهم وأسرهم، تمثل انتهاكًا صارخًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المواد المتعلقة بحماية المدنيين في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، كما تشكل خرقًا مباشرًا للمادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها دون تدخل.
وأضافت المنظمة أن القيود المفروضة على التغطية الصحفية، ومنع الصحفيين من الوصول إلى أماكن الأحداث، وإغلاق المؤسسات الإعلامية، وحظر المنصات الفلسطينية، تمثل نمطًا من العقوبات الجماعية الممنهجة ضد الإعلام الفلسطيني، وتهدف إلى فرض تعتيم إعلامي شامل على الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
كما أن استهداف الصحفيين أثناء عملهم الميداني يخالف بشكل واضح قرار مجلس الأمن رقم 2222 بشأن حماية الصحفيين في مناطق النزاع، والذي يؤكد ضرورة ضمان سلامتهم وعدم استهدافهم أو عرقلة عملهم المهني.
وتطالب صحفيات بلا قيود الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الرأي والتعبير وحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتحرك العاجل لوقف الانتهاكات المتصاعدة بحق الصحفيين الفلسطينيين، والضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن جميع الإعلاميين المعتقلين تعسفيًا، ووقف سياسة الإبعاد والاحتجاز ومنع التغطية، وضمان حرية العمل الصحفي دون تهديد أو ملاحقة.
كما تدعو المنظمة الاتحاد الدولي للصحفيين، والمؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية، إلى تشكيل ضغط دولي حقيقي لمحاسبة سلطات الاحتلال على الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الإعلام الفلسطيني، والعمل على توفير حماية دولية للصحفيين الفلسطينيين، وإرسال بعثات تقصي حقائق مستقلة لرصد الانتهاكات وتوثيقها، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة القانونية الدولية.


Ar
En