البيانات الصحفية

اليمن: عامان على اختطاف العاملين في المجال الإنساني

اليمن: عامان على اختطاف العاملين في المجال الإنساني

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن مرور نحو عامين على حملة الاختطافات الواسعة التي شنتها مليشيا الحوثي في يونيو 2024 بحق العاملين في المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني

يمثل محطة فارقة ومؤلمة في مسار متصاعد من الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت العمل الإنساني والمدني في اليمن بصورة ممنهجة، وما تزال آثارها الإنسانية والقانونية مستمرة حتى اليوم.

وأكدت المنظمة في بيان موسع أن حملة يونيو 2024 شكلت نقطة انطلاق لأوسع موجة استهداف ممنهج للعاملين في المجال الإنساني والإغاثي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تواصلت خلال العام ذاته وعامي 2025 و2026 عبر موجات متتابعة من المداهمات والاختطافات والاحتجازات التعسفية التي طالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية وناشطين مدنيين وأكاديميين وشخصيات مرتبطة بالعمل التنموي والإغاثي.

وأضافت المنظمة أن هذا النمط المتكرر من الاستهداف يؤكد الطابع الممنهج لهذه الانتهاكات، ويمتد ضمن سلسلة من حملات الاختطاف والاحتجاز التعسفي التي طالت العاملين الإنسانيين في فترات سابقة على يونيو 2024، وإن كانت أقل اتساعاً من حيث النطاق والوتيرة، ما يعكس سياسة منظمة تستهدف العاملين الإنسانيين بسبب طبيعة عملهم، بهدف إخضاع العمل الإنساني المستقل للترهيب والسيطرة والضغط السياسي، وتحويل المحتجزين إلى أدوات للابتزاز والمساومة، بما ألحق أضراراً جسيمة بالضحايا وأسرهم، وأثر بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الإنسانية على أداء مهامها والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وأسهم في تعميق الأزمة الإنسانية في اليمن.

وشددت "صحفيات بلاقيود" على أن ما رافق هذه الحملات من مداهمات للمنازل ونهب للممتلكات وترويع للأسر والأطفال وعمليات اختطاف خارج إطار القانون وإخفاء قسري وحرمان من الحقوق الأساسية وتعذيب وسوء معاملة، يشكل نمطاً واسع النطاق ومنهجياً من الانتهاكات الجسيمة الموجهة ضد فئة مدنية محمية، ويرقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفقاً لمعايير القانون الدولي، ويعكس في الوقت ذاته إخفاقاً مستمراً من المجتمع الدولي والأمم المتحدة في توفير الحماية الفعالة للعاملين الإنسانيين ومنع استمرار هذه الانتهاكات أو مساءلة المسؤولين عنها.

 

الاختطاف والإخفاء القسري والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز

أوضحت منظمة “صحفيات بلا قيود” أن عدد المختطفين من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين بلغ، وفق بيانات أممية، نحو 73 موظفاً أممياً، إلى جانب عشرات العاملين في المنظمات الدولية والمحلية الذين لا تشملهم الإحصاءات الأممية الرسمية، في سياق نمط مستمر من استهداف العاملين في المجال الإنساني يعود إلى سنوات سابقة، قبل أن يتخذ منذ يونيو 2024 طابعاً أكثر اتساعاً وتنظيماً وتصعيداً.

وأكدت المنظمة أن المختطفين تعرضوا لسلسلة مترابطة من الانتهاكات الجسيمة بدأت بالاختطاف التعسفي وتواصلت عبر الإخفاء القسري لفترات طويلة والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ومنع التواصل مع الأسر والمحامين، والحبس الانفرادي المطول، والتعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان المتعمد من الرعاية الصحية، بما أدى إلى تدهور خطير في الأوضاع الصحية لعدد من المحتجزين ووفاة بعضهم داخل أماكن الاحتجاز.

وفي هذا السياق، أشارت المنظمة إلى وفاة الموظف في برنامج الأغذية العالمي أحمد باعلوي داخل أحد مراكز الاحتجاز التابعة للحوثيين بعد أقل من ثلاثة أسابيع على اختطافه مع عدد من زملائه في يناير 2025، حيث ظل مخفياً قسرياً حتى الإعلان عن وفاته في 11 فبراير 2025. وأكدت أن الملابسات المحيطة بوفاته تحمل مؤشرات جدية بشأن ظروف احتجازه والمعاملة التي تعرض لها، في ظل تقارير تفيد بحرمانه من الرعاية الطبية واحتجازه في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، فضلاً عن عدم إجراء أي تحقيق مستقل وشفاف في أسباب الوفاة، وورود معلومات عن ان عملية دفن جثمانه تمت على عجل تحت ضغوط من الحوثيين، دون إجراء تحقيق مستقل حول أسباب وفاته،. بما يعزز الشكوك حول تعرضه للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة أثناء احتجازه.

كما لفتت المنظمة إلى حالة الناشط المدني ورئيس الائتلاف المدني للسلام عاصم العشاري، الذي تعرض للاختطاف والإخفاء القسري منذ مايو 2024، وفقدانه البصر في إحدى عينيه نتيجة سوء ظروف الاحتجاز والحرمان من الرعاية الصحية، مع استمرار منعه من الزيارة والتواصل مع أسرته، وما ترتب على ذلك من آثار نفسية وصحية قاسية طالت أفراد عائلته.

وأشارت المنظمة كذلك إلى استمرار احتجاز الموظف في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن سامي الكلابي منذ يونيو 2024، رغم التدهور الخطير في حالته الصحية خلال فترة احتجازه، حيث أصيب بالتهاب العصب الخامس ومرض كرون المناعي، وتعرض لمضاعفات متفاقمة استدعت نقله إلى المستشفى عدة مرات، كان آخرها إثر تدهور حاد أثر على جهازه الهضمي ووظائف الكلى وأبقاه لعشرة أيام في حالة حرجة، في ظل استمرار حرمانه من الرعاية الطبية اللازمة، بما يثير مخاوف جدية على حياته وسلامته.

وأضافت المنظمة أن هذه الحالات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات الممنهجة التي تجعل من الاحتجاز ذاته أداة للإيذاء الجسدي والنفسي والإضرار طويل الأمد بالمحتجزين، في ما يشبه سياسة “الإعدام البطيء” خارج أي إطار قانوني مشروع.

كما أبرزت المنظمة الآثار النفسية الممتدة التي خلفتها هذه الحملات في أوساط العاملين الإنسانيين أنفسهم، مشيرة إلى وفاة عبدالله شمسان الأكحلي في 9 أكتوبر 2025، الموظف في قسم تقنية المعلومات لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في صنعاء، في واقعة مفاجئة نتيجة ذبحة صدرية. ولفتت إلى أن وفاته جاءت في سياق حالة من الخوف والقلق الشديدين اللذين عاشهما خلال الأسابيع التي سبقت الوفاة، بفعل تصاعد حملات الاختطاف والمداهمات التي طالت عدداً من زملائه العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية وخشيته من الاستهداف.

وأكدت المنظمة أن هذه الحالة تعكس الأثر النفسي العميق والممتد لبيئة الترهيب التي فرضتها هذه الانتهاكات، حيث أسهمت حملات الاختطاف الواسعة وأساليب المداهمة العنيفة للمنازل في خلق مناخ دائم من انعدام الأمان والتهديد المباشر، ما انعكس على الصحة النفسية والجسدية للعاملين الإنسانيين، حتى في الحالات التي لم تشملهم إجراءات احتجاز مباشرة، بما يبرز الطابع التراكمي والخطير لهذه الانتهاكات.

المحاكمات الصورية وأحكام الإعدام وتوظيف القضاء كأداة للقمع

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن الانتهاكات التي تعرض لها العاملون في المجال الإنساني لم تتوقف عند حدود الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت في توظيف منظومة القضاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين لإضفاء غطاء شكلي على انتهاكات جسيمة ارتكبت مسبقاً بحق المحتجزين، عبر محاكمات تفتقر إلى الشرعية والاستقلالية وأبسط معايير العدالة والإجراءات القانونية الواجبة.

وأكدت المنظمة أن هذا المسار التصعيدي بلغ ذروته خلال عام 2025، عندما أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الحوثيين أحكام إعدام بحق 17 شخصاً في نوفمبر 2025، استناداً إلى اتهامات تتعلق بـ“التجسس” و“التخابر”، في محاكمات افتقرت إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، واعتمدت على اعترافات قسرية انتزعت في بيئات احتجاز مغلقة شابتها مزاعم موثوقة بالتعذيب وسوء المعاملة والإكراه.

وأضافت المنظمة أن جلسات المحاكمة التي بدأت في 7 ديسمبر 2025 شملت عدداً من العاملين في المنظمات الدولية والأممية والجهات المرتبطة بالعمل الإنساني والتنموي، بينهم الأكاديمي والخبير التربوي الدكتور محمد حاتم المخلافي، ومحمد علي الوزيزة، وهشام الوزير، وشائف البعداني، وعامر الأغبري، وعبدالمعين عزان، وبسام المردحي، وجميل الفقيه، وعبدالقادر السقاف، وجمال سلطان، ومحمد القرشي، إلى جانب آخرين طالتهم الإجراءات ذاتها.

وأوضحت “صحفيات بلا قيود” أن هذه المحاكمات جاءت امتداداً مباشراً لسلسلة الانتهاكات التي سبقتها، بدءاً من الاختطاف التعسفي والإخفاء القسري، مروراً بالاحتجاز المطول بمعزل عن العالم الخارجي، وصولاً إلى حرمان المحتجزين من التواصل مع محاميهم وأسرهم ومن حقهم في إعداد دفاع فعّال، الأمر الذي أفقد تلك الإجراءات أي مقومات للعدالة أو المشروعية القانونية.

ولفتت المنظمة إلى أن الخطاب الإعلامي والتحريضي الذي سبق المحاكمات، وما تضمنه من اتهامات علنية للعاملين في المجال الإنساني والدولي بالتجسس والعمل لصالح جهات أجنبية، يكشف عن وجود أحكام مسبقة ومحاولات منظمة لتجريم العمل الإنساني ووصم العاملين فيه، بما يحول القضاء إلى أداة للعقاب السياسي بدلاً من كونه وسيلة لتحقيق العدالة.

واعتبرت المنظمة أن إصدار أحكام بالإعدام في سياق محاكمات تفتقر إلى الاستقلال والحياد والضمانات القانونية الأساسية يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويثير مخاوف جدية من استخدام العقوبة الأشد خطورة كوسيلة للترهيب والابتزاز السياسي، فضلاً عن كونه تهديداً مباشراً للحق في الحياة.

وأكدت “صحفيات بلا قيود” أن هذا المسار لا يستهدف المحتجزين وحدهم، بل يبعث برسالة ترهيب إلى مجمل العاملين في المجال الإنساني والإغاثي، ويقوض أسس العمل الإنساني المحايد، ويعمق مناخ الخوف الذي يحيط بالمنظمات والعاملين فيها، بما يهدد استمرارية تدخلاتها الإنسانية في اليمن.

الآثار الإنسانية والنفسية والاقتصادية على أسر المختطفين

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن الانتهاكات المرتبطة بحملات الاختطاف والإخفاء القسري لم تقتصر آثارها على الضحايا المباشرين، بل امتدت بصورة عميقة ومستمرة إلى أسرهم، التي تحولت بدورها إلى ضحية موازية لانتهاكات طويلة الأمد رافقتها حالة من الغموض والقلق وانعدام اليقين بشأن مصير أبنائها.

وأكدت المنظمة أن السنوات الماضية شهدت وفاة عدد من آباء وأمهات المختطفين تحت وطأة الضغوط النفسية المستمرة الناجمة عن الإخفاء القسري وحرمان الأسر من معرفة مصير ذويهم، حيث وثقت المنظمة ما يقارب خمس حالات وفاة بين أقارب المختطفين، من بينها والدة سارة الفائق ووالدة رباب المضواحي ووالد ةمراد ظافر، في مؤشرات مؤلمة على حجم المعاناة النفسية التي تفرضها هذه الانتهاكات على العائلات.

وأضافت “صحفيات بلا قيود” أن ما لا يقل عن تسعة من الآباء والأمهات تعرضوا لمضاعفات صحية خطيرة شملت الجلطات الدماغية والذبحات الصدرية والأمراض المرتبطة بالضغوط النفسية المزمنة، ومن أبرز هذه الحالات والد المختطف عاصم العشاري الذي أصيب بجلطة دماغية حادة في ظل استمرار احتجاز ابنه وحرمان الأسرة من التواصل معه.

ولفتت المنظمة إلى أن الزوجات والأطفال تحملوا العبء الأكبر لهذه الانتهاكات، حيث تعاني العديد من الأسر من اضطرابات نفسية حادة وحالات اكتئاب وقلق مزمن وعزلة اجتماعية، فيما يواجه الأطفال آثاراً نفسية وسلوكية وتعليمية مرتبطة بغياب أحد الوالدين في ظروف قسرية مجهولة المصير.

كما أشارت المنظمة إلى أن كثيراً من الأسر فقدت مصدر دخلها الرئيسي نتيجة احتجاز المعيل، ما أدى إلى تدهور أوضاعها الاقتصادية بصورة حادة، واضطر بعضها إلى الاعتماد على المساعدات أو الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن الأعباء المالية الإضافية المرتبطة بمتابعة قضايا ذويهم والسعي لمعرفة مصيرهم.

وأكدت المنظمة أن أسر المختطفين لم تكتف بتحمل المعاناة بصمت، بل تحولت خلال العامين الماضيين إلى فاعل حقوقي اضطراري، عبر إطلاق المناشدات والرسائل المفتوحة للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائها والإفراج عنهم، غير أن هذه الجهود قوبلت بغياب الاستجابة الفعالة، الأمر الذي عمق من شعور الأسر بالإحباط وانسداد سبل الإنصاف.

وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن استمرار هذه الانتهاكات بحق المختطفين وذويهم يشكل جريمة ممتدة لا تتوقف آثارها عند حدود الضحية المباشرة، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، وتترك ندوباً إنسانية واجتماعية عميقة تتطلب معالجة عاجلة وضمانات حقيقية للإنصاف والمساءلة.

الإخفاق الدولي والأممي ومسؤولية الحماية

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين وموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية منذ سنوات وحتى اليوم يكشف عن إخفاق دولي مستمر وعجز واضح عن توفير الحماية الفعالة لفئة تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأكدت المنظمة أن استمرار احتجاز عشرات الموظفين الأمميين والعاملين الإنسانيين لسنوات، وانتقال الانتهاكات من مرحلة الاختطاف إلى الإخفاء القسري والتعذيب ثم إلى المحاكمات الصورية وأحكام الإعدام، يعكس فشل الجهود الدولية في وقف هذا المسار التصاعدي أو فرض كلفة حقيقية على مرتكبيه.

وأضافت أن البيانات والإدانات المتكررة الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، على أهميتها، لم تتحول إلى إجراءات عملية كفيلة بحماية الضحايا أو ضمان الإفراج عنهم أو منع تكرار الانتهاكات، وهو ما أسهم في تكريس مناخ الإفلات من العقاب وتشجيع استمرار الممارسات ذاتها.

وأوضحت المنظمة أن هذا الإخفاق انعكس بصورة مباشرة على العاملين الإنسانيين الذين باتوا يعملون في بيئة تتسم بدرجات عالية من المخاطر وانعدام اليقين، الأمر الذي قوض استقلالية العمل الإنساني وأضعف قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة.

وأكدت “صحفيات بلا قيود” أن حماية العاملين في المجال الإنساني ليست مسألة سياسية أو تفاوضية، بل التزام قانوني دولي واجب الاحترام والتنفيذ، وأن أي تقاعس في هذا الشأن ينعكس مباشرة على حقوق ملايين المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية والخدمات الإغاثية للبقاء على قيد الحياة. 

الانعكاسات الإنسانية والاقتصادية والإغاثية لاستهداف العاملين الإنسانيين

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن آثار حملات الاختطاف والاحتجاز التعسفي والمحاكمات الصورية لم تقتصر على العاملين الإنسانيين وأسرهم، بل امتدت إلى المنظومة الإنسانية بأكملها، وأثرت بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات الإغاثية والتنموية على تنفيذ برامجها والوصول إلى ملايين المدنيين المحتاجين للمساعدة.

وأوضحت المنظمة أن اليمن يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة والحماية الإنسانية، فيما يعاني ما يقارب 18 إلى 18.3 مليون شخص من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، الأمر الذي يجعل أي إعاقة للعمل الإنساني ذات آثار مباشرة على حياة ملايين المدنيين.

وأكدت المنظمة أن استهداف العاملين الإنسانيين وما رافقه من مداهمات واحتجازات وقيود أمنية متزايدة أدى إلى إضعاف البيئة التشغيلية للمنظمات الإنسانية، ودفع عدداً من الوكالات الدولية إلى تقليص أو تعليق بعض أنشطتها، نتيجة المخاطر المتزايدة التي تواجه موظفيها والعاملين معها.

وأضافت “صحفيات بلا قيود” أن اقتحام مقرات بعض المنظمات الإنسانية، ومصادرة معدات وأصول تشغيلية، واحتجاز موظفين محليين ودوليين، انعكس بصورة مباشرة على استمرارية البرامج الإنسانية، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتغذية والحماية، وأدى إلى إبطاء أو تعطيل بعض التدخلات الموجهة للفئات الأكثر هشاشة.

ولفتت المنظمة إلى أن تدهور بيئة العمل الإنساني تزامن مع استمرار ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية للأسر، ما جعل قطاعات واسعة من السكان أكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية في الوقت الذي أصبحت فيه قدرة المنظمات على تقديم تلك المساعدات أكثر تقييداً.

وأشارت إلى أن استمرار استهداف العاملين الإنسانيين يخلق حلقة مفرغة من التدهور الإنساني، حيث يؤدي تقييد العمل الإغاثي إلى تراجع الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، فيما يؤدي اتساع الاحتياجات بدوره إلى زيادة هشاشة المجتمعات المحلية وتفاقم أوضاعها المعيشية والصحية.

وأكدت المنظمة أن حماية العاملين الإنسانيين لا تمثل فقط التزاماً قانونياً وأخلاقياً تجاه الأفراد المستهدفين، بل تشكل ضرورة إنسانية لحماية ملايين المدنيين الذين يعتمدون على الخدمات والمساعدات التي توفرها المنظمات الإنسانية، مشددة على أن استمرار استهداف هذه الفئة يقوض أحد أهم خطوط الحماية المتبقية للسكان المدنيين في اليمن.

الجرائم الدولية والمسؤولية الجنائية

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن الوقائع الموثقة خلال العامين الماضيين تكشف عن نمط مترابط ومتدرج من الانتهاكات يبدأ بالمداهمات والاختطاف التعسفي، ويمر بالإخفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية، ثم يتطور إلى استخدام القضاء كأداة لإضفاء مظهر قانوني على الانتهاكات عبر محاكمات صورية وأحكام قاسية، بما في ذلك أحكام الإعدام.

وأكدت المنظمة أن هذه الأفعال تشكل بمجملها سياسة ممنهجة ومستمرة استهدفت فئة مدنية محددة هي العاملون في المجال الإنساني والموظفون الأمميون والعاملون في المنظمات الدولية والمحلية، بسبب طبيعة عملهم ونشاطهم الإنساني.

وأضافت المنظمة أن اتساع نطاق هذه الانتهاكات وتكرارها على مدى سنوات، وارتكابها بصورة منظمة ضد مجموعة مدنية محددة، يجعلها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفقاً للمادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل الحرمان الشديد من الحرية، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاضطهاد، وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية التي تسبب معاناة شديدة أو أضراراً جسيمة للضحايا.

وأوضحت المنظمة أن طبيعة النزاع المسلح غير الدولي القائم في اليمن تفتح المجال كذلك لتوصيف عدد من هذه الانتهاكات بوصفها جرائم حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي، لاسيما ما يتعلق بالاحتجاز غير المشروع، والتعذيب، والمعاملة القاسية، والاعتداء على الأشخاص المحميين، وحرمان المحتجزين من المحاكمات العادلة، فضلاً عن استخدام المحتجزين كورقة ضغط سياسية في ممارسات تقترب من أخذ الرهائن.

وأكدت المنظمة أن المحاكمات الصورية وأحكام الإعدام الصادرة في ظل غياب الاستقلال القضائي وافتقار الإجراءات لأبسط ضمانات العدالة تمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتمس بصورة مباشرة الحق في الحياة والحق في المحاكمة العادلة، وتؤسس لمسؤولية جنائية فردية بحق كل من شارك في التخطيط أو التنفيذ أو الإشراف أو إصدار الأوامر المتعلقة بهذه الانتهاكات.

وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن المسؤولية عن هذه الجرائم لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القيادات التي أمرت بها أو سهلت وقوعها أو امتنعت عن منعها أو معاقبة مرتكبيها، وفقاً لمبادئ المسؤولية القيادية المعترف بها في القانون الجنائي الدولي.

واعتبرت المنظمة أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة فعالة يمثل إخفاقاً خطيراً في الوفاء بالالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين والعاملين الإنسانيين، ويقوض الثقة بمنظومة العدالة الدولية، ويستوجب تفعيل آليات التحقيق والمساءلة الدولية بصورة عاجلة.

وأكدت أن الجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، وأن مرتكبيها يظلون عرضة للمساءلة والملاحقة القانونية أمام الآليات القضائية الوطنية والدولية المختصة.

إدانة الانتهاكات وتحميل المسؤولية

أدانت منظمة "صحفيات بلا قيود" بأشد العبارات استمرار حملات الاختطاف والمداهمات والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والمحاكمات الصورية التي تنفذها مليشيا الحوثي بحق العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية والمحلية والعاملين في المجال المدني والإغاثي.

وحملت المنظمة مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن سلامة جميع المحتجزين والمخفيين قسراً، وعن كافة الانتهاكات التي تعرضوا لها منذ لحظة اختطافهم، بما في ذلك حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، والتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الصحية، وأي أضرار أو انتهاكات مستقبلية قد تلحق بهم.

وأكدت أن استخدام القضاء كأداة وإصدار أحكام بالإعدام في سياق محاكمات تفتقر إلى الشرعية والاستقلال والضمانات القانونية، يمثل تصعيداً بالغ الخطورة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولقواعد العدالة الأساسية.

وشددت المنظمة على أن استمرار هذه الممارسات يعمق مناخ الإفلات من العقاب، ويقوض سيادة القانون، ويهدد مستقبل العمل الإنساني واستقلاليته، ويعرض حياة العاملين الإنسانيين والمدنيين لمخاطر جسيمة ومستمرة.

المطالب والتوصيات: نحو المساءلة الدولية وحماية العاملين الإنسانيين

دعت منظمة "صحفيات بلا قيود" إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع العاملين الإنسانيين والموظفين الأمميين والمدنيين المحتجزين تعسفياً، والكشف العاجل عن مصير جميع المخفيين قسراً وأماكن احتجازهم.

وطالبت بتمكين المحتجزين من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة، ووقف جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز خارج إطار القانون.

كما دعت إلى الإلغاء الفوري للمحاكمات الصورية والأحكام الصادرة عنها، بما في ذلك أحكام الإعدام، وضمان احترام الحق في المحاكمة العادلة أمام قضاء مستقل ومحايد.

وطالبت الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة بالعمل على تمكين الآليات الإنسانية والرقابية المستقلة، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من الوصول إلى المحتجزين وأماكن الاحتجاز، والتحقق من أوضاعهم الصحية والقانونية.

ودعت إلى فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في جميع الانتهاكات المرتكبة بحق العاملين الإنسانيين، بما في ذلك حالات الوفاة أثناء الاحتجاز ومزاعم التعذيب والإخفاء القسري والمحاكمات غير العادلة.

كما حثت مجلس الأمن والأمم المتحدة والدول الأعضاء على اتخاذ إجراءات عملية وفعالة لضمان حماية العاملين الإنسانيين، وتفعيل أدوات المساءلة الدولية، وفرض تدابير مناسبة بحق المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، بما يضمن عدم إفلاتهم من العقاب.

واختتمت منظمة “صحفيات بلا قيود” بيانها بالتأكيد على أن مرور عامين على حملة الاختطافات الواسعة التي استهدفت العاملين الإنسانيين في اليمن دون إنصاف للضحايا أو محاسبة للمسؤولين عنها يمثل مؤشراً خطيراً على اتساع فجوة الحماية الدولية، ويبعث برسائل سلبية بشأن قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماته القانونية تجاه الفئات المدنية المحمية.

وأكدت المنظمة أن استهداف العاملين الإنسانيين لا يمثل تهديداً للأفراد المحتجزين وأسرهم فحسب، بل يشكل اعتداءً مباشراً على منظومة العمل الإنساني بأكملها، ويهدد حياة ملايين المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية باعتبارها وسيلة أساسية للبقاء.

وحذرت من أن استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء بالإدانات العامة او الاجراءات الشكلية دون إجراءات عملية رادعة من شأنه أن يرسخ الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات، مؤكدة أن العدالة والمساءلة وحماية العاملين الإنسانيين ليست خيارات سياسية، بل التزامات قانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل، وتستوجب تحركاً دولياً عاجلاً وحاسماً يضع حداً لهذه الانتهاكات ويضمن إنصاف ضحاياها.

إقرأ ايضاً ..

“صحفيات بلاقيود” تدين اختطاف الحوثيين موظفي الأمم المتحدة وتدعو للمساءلة الدولية

اليمن: مليشيا الحوثي تصعد حملات الاختطاف والقمع ضد العاملين الأمميين

اليمن: مليشيا الحوثي تمضي في محاكمات صورية جديدة تمهيداً لإعدامات تعسفية بحق مدنيين في صنعاء

تقرير: صحفيات بلا قيود توثق تصاعد الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب في مناطق سيطرة الحوثيين

 

 

 

Image